12-02-2008 

أزمتنا أزمة أخلاقية


إن النزعة الاجتماعية لدى الإنسان فطرية، وكما يقررون أن الإنسان اجتماعي بالطبع فهو ينزع إلى العيش والتعاون مع غيره 



نزوعا ذاتيا أصيلا، لا لمجرد مقتضيات الحياة ولوازم العيش براحة واطمئنان فحسب، بل لشعور عميق الجذور في فطرته وخلقته، وبما أن الإسلام يواكب الإنسانية تراه يعمل على تحقيق القيم والمثل والمبادئ الإنسانية الرفيعة لدى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة، من أجل أن تسود علاقات المحبة والمساواة والتضامن والعدالة والحرية والأمن بين أفراد المجتمع. إن الإسلام يهتم بأن تكون هذه الأهداف تابعة من داخل الإنسان وغير مفروضة عليه بقوة النار الحديد. فهو يجسدها في تعامله الاجتماعي إفرازا عما يكنه في نفسه من عقيدة وأحاسيس.
وإذا كان الإسلام يهتم بداخل الإنسان وخارجه، فإنه لا يتخذ لتحقيق ذلك وسيلة التعاليم الوعظية والنصائح المنبرية والإرشاد اللفظي فحسب، بل وضع كل الأسس وهيئ كل المصادر واتبع الوسائل العملية الكفيلة بصياغة الإنسان الذي يحمل بين جنبيه روحا إنسانية وتتصرف جوارحه تصرفا بمثل تلك الروح.
إن الإسلام حريص على إحاطة الإنسان بمناعات عقائدية وخلقية وتربوية، تحول أن يتأثر المسلم بالمغريات والتيارات التي تنال من كرامته أو تحط من مكانته، إذ أن في الإنسان قابلية التأثر كما أنه يملك القدرة على التأثير، فكان لا بد من صيانة قابلية التأثير لديه لكي لا يكون مجالا رحبا للمؤثرات الخارجية المنافية للفطرة السليمة والذوق الرفيع وكمال الإنسانية الكريمة .
لذا كان من الضروري أن تكرس جانبا كبيرا من جهدنا واهتمامنا لتربية الفرد المسلم ونبدأ معه من الطفولة لكي نعده إعدادا سويا في الحياة مهيئا للعيش في ظل الإسلام متطابقا في واقعه ونزاعاته الداخلية مع القانون ونظم الحياة السائدة في مجتمع الإيمان بالله تعالى، لأن بناء الطفل هو عملية بناء المجتمع الإسلامي والتمهيد لإقامة الحياة والقانون والحضارة على أسس الإسلام وتحقيق سعادة الإنسان . إن الأزمة التي تعصف بعالمنا اليوم هي أزمة أخلاقية، قبل أن تكون أزمة من نوع آخر. فالأزمة الأخلاقية تتمثل في سوء تعامل الإنسان مع ذاته ومحيطه وع خالقه سبحانه وتعالى، فصار الإنسان يدفع الثمن غاليا نتيجة التخبط في تشخيص الوضع، وحتى الذين شخصوا الواقع ضلوا في بحتهم عن الحل الصائب، ولا بد في يوم من الأيام وبجهود الرساليين من المسلمين أن يعرف العالم أن الإسلام هو دين الله القيم وشريعته السمحاء، وإن فيه الحل الوحيد لمشكلة البشرية لأنه صادر من رب العباد العالم بما خلق والمقدر له ما ينفعه ويسير به نحو السداد والتكامل وهو النظام الذي ينسجم مع فطرة الإنسان ومتطلبات حياته وتطوره . إن الأزمة الأخلاقية ليست وليدة مجتمعنا المعاصر فحسب، بل ابتليت بها جميع المجتمعات السابقة، وبفقدان الأخلاق فقدت السعادة لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
واليوم إذ أفرزت الحضارات المادية السائدة أبشع صور الفساد الاجتماعي وأقسى مراتب الاستبداد السياسي مما لا عهد للإنسان به منذ أقدم العصور ورغم ما تتبجح الدول الكبرى الحاضرة، من بلوغ درجة قياسية في( التكنولوجيا ) . فإن المفاهيم الحضارية المادية الماسكة بزمام الأمور والتي تقف خلف هذا التقدم العلمي، هبطت إلى أدنى درجة من الانحطاط والتأخر لأنها تعاملت مع الإنسان بتصور مادي هبط به إلى أدنى مستوى في العقل الاجتماعي، بذلك إبادة الملايين منه في ظل مخططات سياسية نفعية واستعدادات عسكرية رهيبة. ولم يكن كل ذلك إلا بسبب تنكر الدول الكبرى للحق وإضلالها الشعوب وابتعاد الناس عن سبيل الهداية الإلهية . قال تعالى (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا، كذلك بأنهم كذبوا بآيتنا وكانوا عنها غافلين)( الآية الأعراف : 146) .
واليوم إذ أريد لأمتنا الإسلامية أن تسير على هدى رسالتها فلا بد لها من أن تحكم بنائها الداخلي وتحفظ كرامة أبنائها ووحدة تماسكهم، مكرمين معززين يسودهم جو الأخوة والود والاحترام، رحماء بينهم، أشداء على الكفار. ويكونوا مجتمعا إسلاميا تنعدم فيه السرقة والرشوة والربا والاحتكار والكذب والخيانة والاعتداء والغيبة والبهتان وشهادة الزور والزنا والخمور والمخدرات والقتل وكل المحرمات، وتسود فيه الفضيلة بكل ما تحمل من صدق وأمانة وإخلاص ووفاء ومحبة وعطف ورحمة ونصيحة ومودة وصلة الرحم وتعاون .

إعداد: محمد الشعري 

Qui sommes-nous? | Publicité | Contact

La Chronique, 2006. Une réalisation de l'agence de communication Multimedia Studios